مجمع البحوث الاسلامية
866
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
كالكفر الّذي يحبط عمل الكافر ، وكالمنّ والأذى اللّذين يحبطان عمل هذا المنفق . قال : فكما أنّ الوابل أزال التّراب الّذي وقع على الصّفوان ، فكذا المنّ والأذى يوجب أن يكونا مبطلين لأجر الإنفاق بعد حصوله ، وذلك صريح في القول بالإحباط والتّكفير . قال الجبّائيّ : وكما دلّ هذا النّصّ على صحّة قولنا ، فالعقل دلّ عليه أيضا ؛ وذلك أنّ من أطاع وعصى فلو استحقّ ثواب طاعته وعقاب معصيته لوجب أن يستحقّ النّقيضين ، لأنّ شرط الثّواب أن يكون منفعة خالصة دائمة مقرونة بالإجلال ، وشرط العقاب أن يكون مضرّة خالصة دائمة مقرونة بالإذلال ، فلو لم تقع المحابطة لحصل استحقاق النّقيضين ، وذلك محال . ولأنّه حين يعاقبه فقد منعه الإثابة ، ومنع الإثابة ظلم ، وهذا العقاب عدل ؛ فيلزم أن يكون هذا العقاب عدلا من حيث إنّه حقّه ، وأن يكون ظلما من حيث إنّه منع الإثابة ، فيكون ظالما بنفس الفعل الّذي هو عادل فيه ، وذلك محال ، فصحّ بهذا قولنا في الإحباط والتّكفير بهذا النّصّ ، وبدلالة العقل ، هذا كلام المعتزلة . وأمّا أصحابنا فإنّهم قالوا : ليس المراد بقوله : ( لا تبطلوا ) النّهي عن إزالة هذا الثّواب بعد ثبوته ، بل المراد به أن يأتي بهذا العمل باطلا ؛ وذلك لأنّه إذا قصد به غير وجه اللّه تعالى فقد أتى به من الابتداء على نعت البطلان . واحتجّ أصحابنا على بطلان قول المعتزلة بوجوه من الدّلائل . [ ثمّ ذكر عشرة دلائل عقليّة إلى أن قال : ] فهذه جملة الدّلائل العقليّة على فساد القول بالمحابطة ، بقي تمسّك المعتزلة بهذه الآية ، فنقول : قوله تعالى : لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى يحتمل أمرين : أحدهما : لا تأتوا به باطلا ، وذلك أن ينوي بالصّدقة الرّئاء والسّمعة ، فتكون هذه الصّدقة حين وجدت حصلت باطلة ، وهذا التّأويل لا يضرّنا ألبتّة . الوجه الثّاني : أن يكون المراد بالإبطال أن يؤتى بها على وجه يوجب الثّواب ثمّ بعد ذلك إذا أتبعت بالمنّ والأذى صار عقاب المنّ والأذى مزيلا لثواب تلك الصّدقة ، وعلى هذا الوجه ينفعهم التّمسّك بالآية . فلم كان حمل اللّفظ على هذا الوجه الثّاني أولى من حمله على الوجه الأوّل ؟ ( 7 : 53 - 56 ) القرطبيّ : عبّر تعالى عن عدم القبول وحرمان الثّواب بالإبطال ، والمراد الصّدقة الّتي يمنّ بها ويؤذي ، لا غيرها . والعقيدة ، أنّ السّيّئات لا تبطل الحسنات ولا تحبطها ، فالمنّ والأذى في صدقة لا يبطل صدقة غيرها . ( 3 : 311 ) البيضاويّ : لا تحبطوا أجرها بكلّ واحد منهما . ( 1 : 138 ) مثله أبو السّعود . ( 1 : 308 ) البروسويّ : والمراد بإبطال الصّدقة : إحباط أجرها ، لأنّ الصّدقة لمّا وقعت وتقدّمت لم يمكن أن يراد بإبطالها نفسها بل المراد إحباط أجرها وثوابها ، لأنّ الأجر لم يحصل بعد ، فيصحّ إبطاله بما يأتيه من المنّ والأذى . ( 1 : 422 )